الأربعاء، 3 يونيو 2026

فضفضة 83@ بنك السعادة بين الملاحة والبلاد

بين البلاد والملاحة وبنك السعادة، جلبتُ معي لعبة "بنك السعادة" بعد أن رأيتها ولعبتها لأول مرة عندما أحضرها أخي من مصر، وهو طالب بكلية الشرطة بالعباسية. أدمنتُ لعبها حينها، وكنتُ في السنة الأولى اعدادى تم جلبتها معي عندما زرت بنغازي فى اول رحلة للساحل كنا أنا ومجموعة من الأصدقاء نبقى حتى ساعات الفجر الأولى، ننسى أنفسنا ونحن نلعب، ونكرع أكواب الشاي، وندخن، ونستمع لعبد الحليم حافظ وأم كلثوم ووردة. كنتُ قد أحضرتُ معي آخر الأشرطة وأحدثها من بنغازي، وكانت تلك أول سفرة لي خارج مرزق. أحببتُ بنغازي: البحر، سوق الظلام، الكورنيش، المنارة، سيدي خريبيش، شارع الحشيش، الصابري… قلب بنغازي. كم كانت جميلة. رمضان سبعة وسبعين، سينما، مجلات، كتب، بحر، مطر، جو، وصوت زمجرة البحر ليلًا. كانت مدينة حفرت في ذاكرتي شيئًا جميلًا: ، لباس جميل، رو
ح أخّاذة، زحمة سوق الظلام، وروائح كل شيء ممزوجة بالبهارات والقهوة والأرجيلة مع قرب البحر. كنتُ أقضي ساعاتٍ متواصلة على الكورنيش أخاطب البحر، فلا شيء يشبهه سوى الصحراء المترامية في مرزق… تلك الأيام

فضفضة 82@المت قاعد

كان الفرق بين «المتقاعد» و«المت قاعد» مجرد مسافة صغيرة بين كلمتين، لكنه في الحقيقة مسافة شاسعة بين حياتين مختلفتين تمامًا. عندنا يقاتل الموظف بكل ما يملك ليبقى في عمله سنة أو سنتين إضافيتين، بينما يخرج الفرنسيون إلى الشوارع احتجاجًا على تمديد سن العمل سنة واحدة فقط. والمفارقة هنا ليست في حبهم للراحة أو كرههم للعمل، بل في نظرتهم لمعنى التقاعد نفسه. هناك، التقاعد مرحلة حياة جديدة، أما عندنا فكثيرًا ما يتحول إلى بداية عزلة طويلة. المتقاعد لديهم يخرج من الوظيفة لكنه لا يخرج من الحياة. يكون قد أعد لنفسه برنامجًا آخر: سفر، قراءة، هوايات مؤجلة، حدائق صغيرة، أصدقاء، نوادٍ اجتماعية، وربما أحلام لم يجد وقتًا لها أثناء سنوات العمل الطويلة. التقاعد عندهم ليس نهاية الدور، بل انتقال هادئ من واجب الوظيفة إلى متعة الحياة. أما عندنا فالأمر مختلف تمامًا. كثير من الناس لا يملكون خارج الوظيفة أي تعريف لأنفسهم. الوظيفة ليست مجرد راتب آخر الشهر، بل هي المكانة، والتقدير، والعلاقات، والإحساس بالأهمية، حتى وإن كانت الوظيفة نفسها مرهقة أو مليئة بالتفاصيل الصغيرة و«الخدمة خد وهات». وفجأة، في يوم واحد، يجد الإنسان نفسه خارج كل ذلك. يصحو صباحًا فلا أحد ينتظره، ولا مكتب يذهب إليه، ولا هاتف يرن من أجل أمر عاجل، ولا مراجع يقف أمامه باحترام، فيبدأ الشعور الثقيل بالتسلل إليه: هل انتهى دوري فعلًا؟ وهنا تبدأ مأساة «المت قاعد». ليس لأنه جلس في البيت فقط، بل لأن الفراغ جلس داخله. فيتحول اهتمامه إلى أشياء صغيرة جدًا؛ يراقب النوافذ المفتوحة، ويطفئ لمبات الكهرباء، ويتدخل في كل شاردة وواردة داخل البيت، لا بدافع الشر، بل لأن الإنسان عندما يفقد عالمه الكبير يبدأ بالتعلق بالتفاصيل الصغيرة حوله. ثم تأتي الشيخوخة بما فيها من ضعف السمع وثقل الحركة، فيكرر الأسئلة بإلحاح، ويعيد الحكايات نفسها، بينما ينشغل الجميع عنه شيئًا فشيئًا. والمؤلم أن كثيرًا من المتقاعدين عندنا لا يخافون من قلة المال فقط، بل يخافون من فقدان القيمة. فالراتب يمكن التعايش مع نقصه أحيانًا، لكن الإحساس بأنك أصبحت زائدًا عن الحاجة مؤلم جدًا على النفس البشرية. لهذا ترى بعض الموظفين يتمسكون بالوظيفة حتى آخر لحظة ممكنة، ليس حبًا في العمل دائمًا، بل خوفًا مما بعد العمل. الخوف من الصمت الطويل، ومن الفراغ، ومن أن يتحول الإنسان فجأة من شخص مطلوب الى كم مهمل بل عب على كل من حوله يطارد مصابيح الكهرباء وحنفيات المياه ان المجتمعات التى تحترم نفسها لاتترك كبار السن يواجهون الحياة وحدهم انما تومن لهم سبل الراحة وان يكونوا ذوى فائدة بعد التقاعد فالفرق شاسع بين المتقاعد و المت قاعد فالأول ترك الوظيفة ولكنه لم يستقل من الحياة بينما الثاني بترك الوظيفة ترك الحياة أيضا واصبح كم مهملا طبعا هذا لاينطبق على الجميع ولكنه يشمل شريحة كبيرة فى طول البلاد وعرضها ودمتم بخير وسلام وكل عام وانتم بخير