الأحد، 30 أغسطس 2026

فضفضة 92 العاصفة

العاصفة العاصفة... من أجمل ما كتب شكسبير. مسرحية برسبيرو، وابنته الجميلة ميراندا، وكاليبان بشخصيته الغريبة المضحكة، وأرييل، ذلك الروح الذي سخّره برسبيرو في سحره. كانت «العاصفة» أول مسرحية أقرأها في مادة اللغة الإنجليزية، وأنا في الصف الأول الثانوي. كنت أنتظر بفارغ الصبر أن ننتهي من الدروس الأولى لنصل إلى الفصل الذي تبدأ عنده المسرحية. كان أستاذنا الفاضل، الإرتري الذي تمرزق بطول الإقامة، عثمان موسى، والذي كنا نناديه «عصمان»، لأنهم في السودان ينطقون اسمه هكذا. كانت تلك الأيام مختلفة... كنا نقرأ الأدب لا لننجح في الامتحان فحسب، بل لنفتح نافذة صغيرة على عالم آخر؛ عالم لا نعرفه، لكنه كان يغرينا بأن نكتشفه. وعموماً... لنعد إلى العاصفة. وما أدراك ما العاصفة! العاصفة لا تبدأ عندما تهب الريح، ولا عندما تتلاطم الأمواج، ولا عندما يضجُّ البحر. للعاصفة مقدمات. شيء غامض يسبقها... صمت مريب، وهدوء غير مألوف، وظلام حالك، تمد فيه يدك فلا تكاد تراها. هو ذلك الظلام الذي يسبق ساعات الفجر، وذلك السكون الذي يخيم على الصحراء قبل أن تنقلب فجأة إلى شيء آخر. يصبح الهواء خانقاً، تضيق معه أنفاسك، ويضيق صدرك كأنك تصعد في السماء بلا سلم، ويلفك حزن غريب لا تعرف له سبباً. حتى البحر له نُذره. يهدأ على غير عادته، ويبدو ماؤه شديد الزرقة، وتحلق النوارس فوقه مطمئنة، كأن شيئاً لن يحدث. ثم تأتي اللحظة... وفجأة، ينقلب كل شيء رأساً على عقب. تهب الريح، وتتلاطم الأمواج، وتتحول السفينة إلى لعبة صغيرة في يد بحر هائج، كأن يداً عملاقة أمسكت بها، فمزقتها وألقت بأجزائها بعيداً. وهكذا كانت سفينة برسبيرو؛ تحاصرها العاصفة، وتأسرها الأمواج، وتحولها إلى قطع من الخشب، ثم تلقي بركابها في جزيرة نائية وسط البحر. وفي الصحراء ليست العاصفة أقل قسوة. تهب الرياح عاتية، تقتلع أعجاز النخل، وتملأ الفضاء بالغبار، وتعمي العيون، حتى لا تكاد ترى شيئاً على سطح الأرض. وعندها فقط... تستفيق الناس من غفلتها. تكتشف أن العاصفة لم تأتِ فجأة كما ظنت، بل كانت هناك نذر كثيرة سبقتها؛ إشارات مرّت أمام أعينها، وأصوات سمعتها ولم تُصغِ إليها، وهدوء غريب كان ينبغي أن يثير الريبة. لكننا، نحن البشر، كثيراً ما نكتشف العاصفة بعد أن تبدأ. ننتبه إلى الريح بعدما تكسر النوافذ، وإلى البحر بعدما تبتلع الأمواج السفينة، وإلى الخطر بعدما يصبح قاب قوسين أو أدنى. نصمُّ آذاننا عن النذير، ونستغشي ثيابنا عن الحقيقة، ونقنع أنفسنا بأن كل شيء على ما يرام... حتى تأتي اللحظة التي لا ينفع فيها الندم. ولعل أجمل ما في العاصفة أنها، رغم قسوتها، تكشف ما كان مختبئاً في الهدوء. تكشف هشاشة السفن، وضعف الشواطئ، وقوة الريح، والأشياء التي ظننا أنها ثابتة فإذا بها تتهاوى. وليس كل ما يسبق العاصفة هدوءاً بريئاً. أحياناً يكون الصمت نفسه إنذاراً. وأحياناً تكون الأشياء التي لا نريد أن نراها هي أول نذر للعاصفة. وربما لهذا بقيت «العاصفة» في ذاكرتي منذ ذلك الفصل البعيد من الصف الأول الثانوي؛ لم تعد بالنسبة لي مجرد مسرحية لشكسبير، ولا مجرد حكاية عن برسبيرو وميراندا وأرييل وكاليبان. أصبحت شيئاً آخر... أصبحت صورة للحياة. ففي حياة كل منا عاصفة. وفي حياة الأوطان أيضاً عواصف. والعاقل ليس من ينتظر حتى تهب الريح، بل من يقرأ هدوء البحر قبل أن يتغير لونه، ويصغي إلى الصمت قبل أن يتحول إلى صراخ، ويرى النذير قبل أن يصبح واقعاً. فليس أخطر من عاصفة قادمة... إلا أن تراها قادمة، ثم تقنع نفسك بأنها لن تأتي.

فضفضة 91 هل يستحق المواطن الليبي هذه المعاناة

هل يستحق الإنسان الليبي كل هذه المعاناة؟ سؤال ظل يراودني وأنا أرى ما يحدث حولي، وأتساءل: هل ما يعيشه المواطن الليبي اليوم مجرد نتيجة طبيعية لظروف قاهرة، أم أن وراء هذا المشهد شيئًا آخر؟ هل هي معاناة مقصودة لذاتها، لهدف غير معلن، لكنه ربما أصبح معروفًا لدى كثيرين؟ أم أن المشكلة بدأت حين وُضع أناس لا يملكون الكفاءة في مواقع لا تناسبهم، بفعل الوساطة والمحسوبية والعائلية والقبيلة والشللية؟ أم أن الأمر كله نتيجة نقص الموارد وظروف موضوعية؟ أم أن الفساد المستشري وغياب المحاسبة هما أصل الداء؟ وكما يقول المثل: إذا غاب العقاب، ساد سوء الأدب. أيًا كان السبب، فإن النتيجة واحدة: مواطن مُنهك، جسدًا ونفسًا. مواطن يقف في طوابير لا تنتهي، ويطارد الكهرباء والماء والسيولة والدواء، ويعيش وسط القمامة، ويستيقظ وينام على ضجيج المولدات، ويواجه يوميًا ضغوطًا لا تنتهي. ومع تراكم الضغط، يصبح المرض نتيجة طبيعية؛ أمراض الجسد، وأمراض النفس، والجلطات والسكتات، والانهيار العصبي، وربما الموت بأشكاله المختلفة. وحين تعجز الدولة عن تقديم الحلول، يبدأ المواطن في البحث عن الخلاص الفردي. واسطتك إن استطعت، ومحسوبيتك إن وجدت، ومولد كهرباء إن قدرت، وبئر إن استطعت حفره، ومنظومة طاقة شمسية إن كان جيبك يسمح... كل إنسان يحاول أن ينقذ نفسه ومن يعول. ولا ألوم المواطن على ذلك؛ فالإنسان حين تضيق به السبل يبحث عن منفذ. لكن المشكلة أن الخلاص الفردي لا يصنع دولة، بل قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى جزء من المشكلة. فما ينقذ فردًا قد يضر بالعشرات، وما يحل مشكلة بيت قد يزيد العبء على بيوت أخرى. وهكذا ندور في دائرة مغلقة: الدولة لا تقوم بواجبها، والمواطن يبحث عن خلاصه بنفسه، والمجتمع يدفع الثمن. والأخطر من ذلك كله أننا فقدنا الإحساس بأن مشكلة الآخر هي مشكلتنا. لم نعد نعمل بالقول الجميل: «إذا اشتكى عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». بل أصبح الشعار عند كثيرين: «أخطّي راسي وقص» و: «حط راسك بين الروس وقول: وينك يا قطّاع الروس» وحتى المثل : «الموت مع العشرة كرامة ». المشكلة أن الإنسان قد يتوهم أنه حين ينجو بنفسه فقد نجا، بينما الحقيقة أن انهيار المجتمع لا يستثني أحدًا. فليس مهمًا أن تكون أنت الحادي عشر أو الثاني عشر في طابور الخسائر ، أو أن تنجو اليوم من أزمة الكهرباء أو السيولة أو العلاج؛ لأن سقوط المجتمع في النهاية سيصل إلى الجميع. إن استمرار هذا الوضع، واستشراءه، وعدم الاستماع إلى ذلك الصراخ المكتوم الذي يخرج من الناس تحت ضغط الحاجة، أو الخوف، أو القهر، لن يستمر إلى ما لا نهاية. فحين تصل الأمور إلى مرحلة تتساوى فيها كفتا الحياة والموت، يصبح الخطر أكبر من قدرة الجميع على السيطرة عليه. وما نراه اليوم من قمامة تملأ الشوارع، وطوابير تتزايد يومًا بعد يوم، ومولدات تدق في رؤوس الناس ليلًا ونهارًا، ورائحة العفونة والفساد التي بدأت تفوح من تفاصيل حياتنا، ليس مجرد مشكلات خدمية متفرقة. إنها أعراض لمرض أكبر.ودولة فاشلة ومتى تراكمت الأعراض ولم يُعالج المرض، فلا بد أن يولد شيء... شيء كريه، وربما كريه جدًا. وأخشى أن يأتي يوم ينظر فيه الناس إلى ما حدث في 2011 باعتباره مجرد مناورة صغيرة، أمام حرب حقيقية لا يريدها المواطن، لكنه يدفع ثمنها كل لحظة، وكل دقيقة، وكل ساعة، وكل يوم، وكل أسبوع، وكل شهر، وكل سنة. فما بالك بالسنوات العجاف؟ ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى مزيد من المسكنات. تحتاج إلى دولة تحترم مواطنيها، وقانون يُطبّق على الجميع، وكفاءة توضع في مكانها، ومحاسبة لا تستثني أحدًا، وعدالة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالناس قد تصبر طويلًا... لكن لا أحد يستطيع أن يضمن إلى متى سيبقى الصبر صبرًا، ومتى يتحول إلى شيء آخر. والله من وراء القصد.

فضفضة 90 الحياة تبداء عند العاشرة

الحياة تبدأ عند تمام العاشرة. منذ أن كانت المدينة تعاني من الفوضى، وتتلوّى تحت ضربات المجرمين، بأشكالهم وتخصصاتهم المختلفة، انكمشت فيها الحياة، وقصر النهار حتى باتت كل شرايينها لا تبدأ في التدفق قبل العاشرة. فأي محاولة للتحرك، أو فتح أي شكل من أشكال الحوانيت، ضربٌ من المجازفة؛ إذ تجد نفسك وحيدًا في تلك المدينة التي تصحو على أصوات الرصاص، وتنام على أصوات القذائف. لذلك، وباتفاقٍ غير مكتوب، تفتح المحلات أبوابها وتدب الحركة في شرايين المدينة شبه المسدودة بالحواجز والقمامة والمجاري العطنة. يفتح الجميع في اللحظة ذاتها، وكأن الأمر نوع من الحماية التضامنية؛ فلا أحد يريد أن يكون أول من يخرج، ولا أحد يريد أن يجد نفسه وحيدًا في الشارع. ويبدو أيضًا أن الذئاب والكلاب الضالة، التي كانت ترعب المدينة طوال الليل، يكون قد أنهكها السهر، وأثقلها تعاطي الخمور والمخدرات، فتنكمش هي الأخرى وتنسحب إلى أوكارها المحروسة والمعروفة، تلك الأوكار التي لا يستطيع أحد الوصول إليها. وعند العاشرة، تنام الفوضى قليلًا، ويدب في المدينة نوع آخر من الحياة البشرية. تفتح الأبواب، تتحرك السيارات، تمتلئ الشوارع بالناس، وتستعيد المدينة بعضًا من أنفاسها المسروقة. لكنها حياة مؤقتة، ومهلة قصيرة يمنحها النهار لأهل المدينة. فما إن تأخذ الشمس طريقها إلى المغيب، حتى يتغير كل شيء من جديد. تسمع الأبواب وهي تُغلق واحدًا تلو الآخر، وتنسحب الحياة ببطء من شرايين المدينة، وتعود الشوارع إلى صمتها الثقيل، وكأن المدينة تستعد من جديد ليوم آخر من الخوف والرعب. هكذا كان النهار في تلك المدينة... يبدأ عند العاشرة، وينتهي مع المغيب؛ وبينهما حياةٌ مسروقة من الخوف.

فضفضة 89 كان هنا الملتقى

كان هنا الملتقى... لم يكن بيننا موعدٌ مضروب، لكنه كان أشبه بموعدٍ رسمه القدر، وكأن لكل واحدٍ منا موعدًا لا يخطئه مع الآخر. فما إن نجد فسحةً من كل الالتزامات، وخاصةً الدراسة، ونلقي التحية على العائلة، حتى نلهث خلف الوقت لنلحق بذلك المكان؛ المكان الذي كان يجمعنا، ويمنحنا دفئًا لا يُشترى، ومساحةً رحبةً للكلام والحكي. كان كل واحدٍ منا يأتي وفي جعبته شيء جديد: خبرٌ سمعه، أو كتابٌ قرأه، أو حكايةٌ عاشها، أو فكرةٌ خطرت له. وكل شيء كان يصلح لأن يكون موضوعًا للنقاش، حتى أبسط الأشياء كانت تتحول بيننا إلى حكاية. وكان الحديث يزداد حماسًا عندما ينزلق، كما يحدث دائمًا، إلى جديد العلاقات العاطفية والتجارب الغضّة في ألف باء الحب واللقاء. كنا يومها نكتشف الحياة ونحن نظن أننا نفهمها، ونتحدث عن الحب كما لو أننا خبرناه كله، بينما لم نكن قد عرفنا منه إلا بداياته. وحين يحل الظلام، نغادر المكان على أمل أن نلتقي غدًا، أو بعد غد، لنواصل الحديث من حيث توقفنا، وننثر ما بقي في الجراب من حكايات لم تجد وقتها طريقها إلى الكلام. وهكذا ظل الملتقى يتكرر، حتى يحين موعد انفراط العقد، فيعود كل واحدٍ منا إلى حيث كان، حاملاً ما سمعه وما عرفه، ثم يعود في اللقاء التالي وقد ملأ جرابه من جديد، ونهل من معين التجارب والمعرفة. ولم تكن تلك اللقاءات مجرد جلسات عابرة؛ كانت جزءًا من زمننا الجميل، من ذلك الزمن الذي كنا نصنع فيه صداقاتنا وأحلامنا وأفكارنا في الشوارع والحارات، بعيدًا عن صخب اليوم وسرعته. ثم نعود إلى ملاعب الصبا في شوارع وحواري المدينة القديمة؛ من جَرّة الجامع الحنّاشي، وشيشمة البولندية، إلى الضلالة عند مدخل النزلة، وصولًا إلى ملاعب الزوية قرب الزاوية السنوسية. أماكن صغيرة في جغرافيا المدينة، لكنها كانت بالنسبة لنا عالمًا كاملًا. هناك كانت تدور الحكايات... وهناك كان الزمن يدور بنا دون أن نشعر. كبرنا، وتفرقت بنا الطرق، وتغيرت المدينة وتغيرنا معها، لكن بعض الأماكن لا تغادرنا مهما ابتعدنا عنها؛ لأنها لم تكن مجرد أماكن، بل كانت جزءًا من ذاكرتنا، ومن تكويننا الأول. وكلما مرّ طيفها في الذاكرة، أشعر أنني أسمع أصوات أولئك الذين كانوا هنا، وأرى وجوههم، وأكاد أسمع ضحكاتهم من جديد. كان هنا الملتقى... وكان هنا شيء من أجمل أعمارنا. وللموضوع تتمة...

فضفضة 88 قيد الحياة وانعتاق الموت

قيد الحياة وانعتاق الموت في مدينة يصبح الأحياء فيها كالأموات، لا فرق بينهم سوى مراسيم الدفن، أو كما يقال: أحياءٌ من قِلّة الموت. فهم أحياء كموميات تمثّل دور الأحياء؛ تدور كثور الساقية مغمض العينين، في دوارٍ قدريّ يصحبه دوارٌ آخر من عدم الإدراك لما حولك، فاقد الإحساس بكل شيء. لا جديد في حياتك، والقديم بدأ يشحب إلى درجة أنك لا تكاد تستبين ملامحه. تنتظر ضربة الخلاص الأخيرة، حيث تمضي دون أسف على شيء، إلا هذا العمر الذي يتصرّم من بين الأصابع؛ كمن يقبض على الماء ليبلغه فاه، فلا الماء يروي، ولا اليد تبقى ممتلئة. كل شيء حولك يحمل نُذُره، ويؤشر إلى العاصفة القادمة. والكل يشعر ويحس بذلك، ولكن يد القدر تدفع باتجاه حصادٍ كريه لقادمٍ هدمناه بأيدينا، عامدين، كمن يهدم أسوار مدينته، ثم يمنح الفرصة لأعدائها بالدخول واحتلالها وتخريبها.

فضفضة 87 سياسة الانضاج

سياسة الإنضاج غريبٌ أن تلتقي السياسة بالزراعة والمطبخ في كلمة واحدة: الإنضاج. فالإنضاج في الزراعة يحتاج إلى بيئة مناسبة، وحرارة محسوبة، ووقت كافٍ، وفي تربية الدواجن تُستخدم الصوبات لتوفير الظروف الملائمة للوصول إلى النتيجة المطلوبة. أما في السياسة، فهناك من يتعامل مع التغيير بالطريقة نفسها؛ يهيئ الظروف، يرفع درجة الحرارة تدريجيًا، يترك الناس تحت ضغط متواصل، ثم ينتظر اللحظة التي يعتقد فيها أن الثمرة أصبحت ناضجة بما يكفي للقطاف. قد يكون التغيير نتيجة طبيعية لتراكم الأزمات، وقد يكون نتيجة لسياسات مقصودة تدفع الناس ببطء نحو نقطة الانفجار. فحين يستيقظ المواطن كل صباح ليجد نفسه في مواجهة أزمة جديدة، ثم يخرج إلى الشارع فيكابد الازدحام والفوضى ونقص الخدمات، ويعود إلى منزله محمّلًا بما يكفي من الإحباط، ثم لا يجد حتى في بيته مساحة حقيقية للراحة؛ تبدأ عملية إنضاج من نوع آخر. إنها عملية تجعل الإنسان يعيش تحت ضغط متواصل، حتى يصبح التغيير في نظره ليس خيارًا، بل خلاصًا منتظرًا. لكن هنا تكمن المفارقة. أيها الطاهي السياسي، هل أنت متأكد أن الطبخة ستأتي على هواك؟ هل تستطيع فعلًا أن تتحكم في كل مكوناتها، وأن تضبط النار، وأن تضمن النكهة النهائية؟ ربما تستطيع أن تبدأ الطبخة، لكنك لا تستطيع أن تضمن نتيجتها. فالتاريخ مليء بتغييرات بدأت بأهداف محددة، ثم خرجت عن مساراتها، وانتهت إلى نتائج لم يتوقعها حتى الذين صنعوا مقدماتها. والأخطر من ذلك أن التغيير لا تصنعه الظروف الداخلية وحدها دائمًا؛ فقد تتدخل عوامل خارجية، لكل منها مصالحها وحساباتها، فتدعم هذا الاتجاه أو ذاك، وتدفع نحو تغيير ترى فيه منفعتها قبل أي شيء آخر. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: من الذي يطبخ التغيير؟ ومن الذي يحدد مكوناته؟ ومن سيكون أول من يتذوقه؟ قد تتضافر كل هذه العوامل، وقد تنجح في إحداث التغيير، لكن لا أحد ـ وأكرر: لا أحد ـ يستطيع أن يتنبأ على وجه اليقين بما بعده. فالطبخة التي ظن البعض أنها أُعدّت بعناية قد تتحول إلى وجبة مرة للجميع، وقد يكون أول من يكتوي بنارها أولئك الذين كانوا وقودًا لها. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله السياسي هو أن يعتقد أن الشعوب مجرد مكونات في قدر، وأنه يستطيع التحكم في درجة حرارتها إلى ما لا نهاية. فالناس ليسوا طحينًا ولا دجاجًا ولا خضارًا تُترك في الصوبة حتى تنضج وفق البرنامج المعد سلفًا. الناس لهم إرادتهم، ولهم غضبهم، ولهم لحظة لا يمكن لأحد أن يحدد موعدها. وحين يصل الضغط إلى حدّه الأقصى، قد لا يعود السؤال: متى ينضج التغيير؟ بل يصبح السؤال: ماذا سيحدث عندما يفور القدر؟ ربما تكون هذه هي اللحظة التي يكتشف فيها الطاهي أن النار التي أشعلها لإنضاج الطبخة لم تعد تحت سيطرته. ونذر العاصفة، كما يبدو، لا تحتاج دائمًا إلى من يعلن عن اقترابها. فهي تظهر أولًا في وجوه الناس، وفي صبرهم الذي ينفد، وفي صمتهم الذي يصبح أثقل من الكلام. والتغيير حين ينضج أكثر من اللازم… قد لا يعود قابلًا للطبخ من جديد.

فضفضة 86 نظرية الضفدعة

نظرية الضفدعة أو «الجرانة» كما تُسمّى عاميًّا. في مادة الأحياء كان مقررًا علينا تشريح الضفدع، وفعلاً تبقى بعض عضلاته حيةً لفترة، ويستمر قلبه في النبض لبعض الوقت. ولكن حديثنا هنا ليس عن علم تشريح الجرانة، بل عن علاقتها بالسياسة، وسياسة الأمر الواقع، وإخضاع الشعوب وتركيعها. تقول نظرية الضفدعة إنه إذا وضعتَ ضفدعةً في إناء من الماء على النار، وقمتَ بتسخين الماء ببطء، فإن الضفدعة لن تقفز خارج القدر، وإنما تستسلم لقدرها المرسوم. ترتفع الحرارة رويدًا رويدًا، فلا تشعر بالفرق، أو ربما تتأقلم مع هذا الارتفاع التدريجي، وتقول في داخلها: «دفع الله ما كان أعظم». وتستمر الحياة في تقلباتها، ويأخذ القدر في السخونة، دون أدنى رد فعل من الجرانة... أقصد من الشعب المروَّض والمضحوك عليه. فهو سيقول أيضًا: «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، أو: «على الأقل نحن أفضل من غيرنا»، دون أن ينظر إلى الإمكانات المهدرة والمسروقة، وإلى حقوقه كآدمي. فما يُقدَّم للإنسان ليس منّةً من أحد، ولا فضلًا يتكرم به عليه أحد. إنه حقه في الأمن والكرامة والعيش الكريم، بما يجعله يعيش في مصاف الشعوب التي تتمتع بالإمكانات نفسها، أو حتى بأقل منها. ونعود إلى صاحبتنا الجرانة، التي ربما لا تكتفي بالصبر على سخونة الماء، بل قد تتمتع، في خيالنا الساخر، بـ«صَلِيِّ» الماء، وربما تزغرد وهي تحترق! أو كما يقال: «والسيل يحملها وهي تغني». إن هذا الخنوع والصمت ليسا دائمًا علامةً على الرضا، وإنما قد يكونان إنذارًا لما هو قادم... فالسكوت الطويل لا يعني أن كل شيء على ما يرام، وربما كان الهدوء الذي يسبق عاصفةً لا نعرف متى تهب. ودمتم في أمنٍ وسلام.

فضفضة 85 خيبات الامل الصغيرة

خيبات الأمل الصغيرة ليست خيبات الأمل دائماً كبيرةً وصاخبة، ولا تأتي دائماً كالعواصف التي تقتلع ما حولها. أحياناً تكون صغيرة، عابرة، بالكاد نلتفت إليها... لكنها تتراكم بصمت، واحدةً فوق أخرى، حتى تتحول مع الأيام إلى جبلٍ ثقيل يثقل الكاهل ويذيب أعمدة الصبر. كل شيء يمضي نحو نهايته، وربما يصل الإنسان، ذات يوم، إلى تلك النقطة التي لا يعرف اسمها: هل هي نقطة اللاعودة؟ أم بداية طريق جديد؟ تبلدٌ في كل شيء... كأنك جُرمٌ تائه في كونٍ لا متناهٍ، تسبح في اللاشيء، ولا تنتظر شيئاً. تنظر أمامك فلا ترى إلا فراغاً، وتلتفت خلفك فلا تجد ما يخفف عنك أثقال ما مضى. حتى الاسم قد يصبح ثقيلاً أحياناً. تهرب ممن يعرفك، وتبحث عن مكان لا يعرفك فيه أحد، ولا تعرف فيه أحداً. تريد فقط أن تتخفف من ثقل اللحظة، من الأسئلة، من الوجوه، ومن كل ما يذكّرك بأنك كنت هنا ذات يوم. والحاضر يدور في مكانه... يدور حتى تفقد إحساسك باللحظة ذاتها. كصوفيٍّ يبحث عن معنى الفناء، أو كفراشةٍ تحوم حول النار؛ تعرف أن فيها الاحتراق، ومع ذلك لا تستطيع الفكاك. أحاول، عبثاً، أن أنفك من كل شيء حولي. أدور... أدور... ولن أتوقف عن الدوران حتى أتحرر، كغيمةٍ تسافر في الملكوت، بلا اسم، ولا عنوان، ولا حملٍ يثقلها. أتخفف من كل الأوزار كي أصعد بصلاتي، وأتصالح مع ما تبقى من أيام، وأتعلم أن السعادة ربما لا تحتاج إلى الكثير... سوى قلبٍ أخف، وروحٍ أكثر سلاماً. وأظل أدور... أدور... أدور... أدور...

فضفضة 84 التغريد خارج السرب

التغريد خارج السرب إمّا أن تكون طائرًا ضلّ طريقه، فلم يقع على أشكاله، أو يكون تغريدك نشازًا وسط جوقةٍ متناغمة. وليس بالضرورة أن يكون من يغرد خارج السرب هو الطائر الغريب؛ فقد تجد نفسك وسط طيور لا تحلّق مثلك، فأنت تعلو دون تعب، وهي تحاول جاهدةً أن تطير. أو أن تحطّ في أماكن تليق بك، بينما تظل هي تدور حول نفسها في ذات الأماكن، وتظن أنه لا مثيل لها. وقد تكون تغريدتك الأخيرة، كما يفعل طائر البجعة، بمثابة خاتمة القول. إن الطيور، إن وقعت على أشكالها، فحتماً يكون الناتج عظيمًا، ثريًا بكل شيء، فتأتي دائمًا محمّلة بالخبر اليقين. لذلك، ابحث عن الطيور التي تشبهك في أشكالها، ليكون تغريدكم في أبهى صورة، ودمتم في أسرابكم آمنين.