الأحد، 30 أغسطس 2026
فضفضة 92 العاصفة
العاصفة
العاصفة... من أجمل ما كتب شكسبير.
مسرحية برسبيرو، وابنته الجميلة ميراندا، وكاليبان بشخصيته الغريبة المضحكة، وأرييل، ذلك الروح الذي سخّره برسبيرو في سحره.
كانت «العاصفة» أول مسرحية أقرأها في مادة اللغة الإنجليزية، وأنا في الصف الأول الثانوي. كنت أنتظر بفارغ الصبر أن ننتهي من الدروس الأولى لنصل إلى الفصل الذي تبدأ عنده المسرحية.
كان أستاذنا الفاضل، الإرتري الذي تمرزق بطول الإقامة، عثمان موسى، والذي كنا نناديه «عصمان»، لأنهم في السودان ينطقون اسمه هكذا.
كانت تلك الأيام مختلفة... كنا نقرأ الأدب لا لننجح في الامتحان فحسب، بل لنفتح نافذة صغيرة على عالم آخر؛ عالم لا نعرفه، لكنه كان يغرينا بأن نكتشفه.
وعموماً... لنعد إلى العاصفة.
وما أدراك ما العاصفة!
العاصفة لا تبدأ عندما تهب الريح، ولا عندما تتلاطم الأمواج، ولا عندما يضجُّ البحر.
للعاصفة مقدمات.
شيء غامض يسبقها... صمت مريب، وهدوء غير مألوف، وظلام حالك، تمد فيه يدك فلا تكاد تراها. هو ذلك الظلام الذي يسبق ساعات الفجر، وذلك السكون الذي يخيم على الصحراء قبل أن تنقلب فجأة إلى شيء آخر.
يصبح الهواء خانقاً، تضيق معه أنفاسك، ويضيق صدرك كأنك تصعد في السماء بلا سلم، ويلفك حزن غريب لا تعرف له سبباً.
حتى البحر له نُذره.
يهدأ على غير عادته، ويبدو ماؤه شديد الزرقة، وتحلق النوارس فوقه مطمئنة، كأن شيئاً لن يحدث.
ثم تأتي اللحظة...
وفجأة، ينقلب كل شيء رأساً على عقب.
تهب الريح، وتتلاطم الأمواج، وتتحول السفينة إلى لعبة صغيرة في يد بحر هائج، كأن يداً عملاقة أمسكت بها، فمزقتها وألقت بأجزائها بعيداً.
وهكذا كانت سفينة برسبيرو؛ تحاصرها العاصفة، وتأسرها الأمواج، وتحولها إلى قطع من الخشب، ثم تلقي بركابها في جزيرة نائية وسط البحر.
وفي الصحراء ليست العاصفة أقل قسوة.
تهب الرياح عاتية، تقتلع أعجاز النخل، وتملأ الفضاء بالغبار، وتعمي العيون، حتى لا تكاد ترى شيئاً على سطح الأرض.
وعندها فقط... تستفيق الناس من غفلتها.
تكتشف أن العاصفة لم تأتِ فجأة كما ظنت، بل كانت هناك نذر كثيرة سبقتها؛ إشارات مرّت أمام أعينها، وأصوات سمعتها ولم تُصغِ إليها، وهدوء غريب كان ينبغي أن يثير الريبة.
لكننا، نحن البشر، كثيراً ما نكتشف العاصفة بعد أن تبدأ.
ننتبه إلى الريح بعدما تكسر النوافذ، وإلى البحر بعدما تبتلع الأمواج السفينة، وإلى الخطر بعدما يصبح قاب قوسين أو أدنى.
نصمُّ آذاننا عن النذير، ونستغشي ثيابنا عن الحقيقة، ونقنع أنفسنا بأن كل شيء على ما يرام... حتى تأتي اللحظة التي لا ينفع فيها الندم.
ولعل أجمل ما في العاصفة أنها، رغم قسوتها، تكشف ما كان مختبئاً في الهدوء.
تكشف هشاشة السفن، وضعف الشواطئ، وقوة الريح، والأشياء التي ظننا أنها ثابتة فإذا بها تتهاوى.
وليس كل ما يسبق العاصفة هدوءاً بريئاً.
أحياناً يكون الصمت نفسه إنذاراً.
وأحياناً تكون الأشياء التي لا نريد أن نراها هي أول نذر للعاصفة.
وربما لهذا بقيت «العاصفة» في ذاكرتي منذ ذلك الفصل البعيد من الصف الأول الثانوي؛ لم تعد بالنسبة لي مجرد مسرحية لشكسبير، ولا مجرد حكاية عن برسبيرو وميراندا وأرييل وكاليبان.
أصبحت شيئاً آخر...
أصبحت صورة للحياة.
ففي حياة كل منا عاصفة.
وفي حياة الأوطان أيضاً عواصف.
والعاقل ليس من ينتظر حتى تهب الريح، بل من يقرأ هدوء البحر قبل أن يتغير لونه، ويصغي إلى الصمت قبل أن يتحول إلى صراخ، ويرى النذير قبل أن يصبح واقعاً.
فليس أخطر من عاصفة قادمة...
إلا أن تراها قادمة، ثم تقنع نفسك بأنها لن تأتي.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق