الأحد، 30 أغسطس 2026

فضفضة 89 كان هنا الملتقى

كان هنا الملتقى... لم يكن بيننا موعدٌ مضروب، لكنه كان أشبه بموعدٍ رسمه القدر، وكأن لكل واحدٍ منا موعدًا لا يخطئه مع الآخر. فما إن نجد فسحةً من كل الالتزامات، وخاصةً الدراسة، ونلقي التحية على العائلة، حتى نلهث خلف الوقت لنلحق بذلك المكان؛ المكان الذي كان يجمعنا، ويمنحنا دفئًا لا يُشترى، ومساحةً رحبةً للكلام والحكي. كان كل واحدٍ منا يأتي وفي جعبته شيء جديد: خبرٌ سمعه، أو كتابٌ قرأه، أو حكايةٌ عاشها، أو فكرةٌ خطرت له. وكل شيء كان يصلح لأن يكون موضوعًا للنقاش، حتى أبسط الأشياء كانت تتحول بيننا إلى حكاية. وكان الحديث يزداد حماسًا عندما ينزلق، كما يحدث دائمًا، إلى جديد العلاقات العاطفية والتجارب الغضّة في ألف باء الحب واللقاء. كنا يومها نكتشف الحياة ونحن نظن أننا نفهمها، ونتحدث عن الحب كما لو أننا خبرناه كله، بينما لم نكن قد عرفنا منه إلا بداياته. وحين يحل الظلام، نغادر المكان على أمل أن نلتقي غدًا، أو بعد غد، لنواصل الحديث من حيث توقفنا، وننثر ما بقي في الجراب من حكايات لم تجد وقتها طريقها إلى الكلام. وهكذا ظل الملتقى يتكرر، حتى يحين موعد انفراط العقد، فيعود كل واحدٍ منا إلى حيث كان، حاملاً ما سمعه وما عرفه، ثم يعود في اللقاء التالي وقد ملأ جرابه من جديد، ونهل من معين التجارب والمعرفة. ولم تكن تلك اللقاءات مجرد جلسات عابرة؛ كانت جزءًا من زمننا الجميل، من ذلك الزمن الذي كنا نصنع فيه صداقاتنا وأحلامنا وأفكارنا في الشوارع والحارات، بعيدًا عن صخب اليوم وسرعته. ثم نعود إلى ملاعب الصبا في شوارع وحواري المدينة القديمة؛ من جَرّة الجامع الحنّاشي، وشيشمة البولندية، إلى الضلالة عند مدخل النزلة، وصولًا إلى ملاعب الزوية قرب الزاوية السنوسية. أماكن صغيرة في جغرافيا المدينة، لكنها كانت بالنسبة لنا عالمًا كاملًا. هناك كانت تدور الحكايات... وهناك كان الزمن يدور بنا دون أن نشعر. كبرنا، وتفرقت بنا الطرق، وتغيرت المدينة وتغيرنا معها، لكن بعض الأماكن لا تغادرنا مهما ابتعدنا عنها؛ لأنها لم تكن مجرد أماكن، بل كانت جزءًا من ذاكرتنا، ومن تكويننا الأول. وكلما مرّ طيفها في الذاكرة، أشعر أنني أسمع أصوات أولئك الذين كانوا هنا، وأرى وجوههم، وأكاد أسمع ضحكاتهم من جديد. كان هنا الملتقى... وكان هنا شيء من أجمل أعمارنا. وللموضوع تتمة...

ليست هناك تعليقات: