الأحد، 30 أغسطس 2026
فضفضة 90 الحياة تبداء عند العاشرة
الحياة تبدأ عند تمام العاشرة.
منذ أن كانت المدينة تعاني من الفوضى، وتتلوّى تحت ضربات المجرمين، بأشكالهم وتخصصاتهم المختلفة، انكمشت فيها الحياة، وقصر النهار حتى باتت كل شرايينها لا تبدأ في التدفق قبل العاشرة.
فأي محاولة للتحرك، أو فتح أي شكل من أشكال الحوانيت، ضربٌ من المجازفة؛ إذ تجد نفسك وحيدًا في تلك المدينة التي تصحو على أصوات الرصاص، وتنام على أصوات القذائف.
لذلك، وباتفاقٍ غير مكتوب، تفتح المحلات أبوابها وتدب الحركة في شرايين المدينة شبه المسدودة بالحواجز والقمامة والمجاري العطنة. يفتح الجميع في اللحظة ذاتها، وكأن الأمر نوع من الحماية التضامنية؛ فلا أحد يريد أن يكون أول من يخرج، ولا أحد يريد أن يجد نفسه وحيدًا في الشارع.
ويبدو أيضًا أن الذئاب والكلاب الضالة، التي كانت ترعب المدينة طوال الليل، يكون قد أنهكها السهر، وأثقلها تعاطي الخمور والمخدرات، فتنكمش هي الأخرى وتنسحب إلى أوكارها المحروسة والمعروفة، تلك الأوكار التي لا يستطيع أحد الوصول إليها.
وعند العاشرة، تنام الفوضى قليلًا، ويدب في المدينة نوع آخر من الحياة البشرية. تفتح الأبواب، تتحرك السيارات، تمتلئ الشوارع بالناس، وتستعيد المدينة بعضًا من أنفاسها المسروقة.
لكنها حياة مؤقتة، ومهلة قصيرة يمنحها النهار لأهل المدينة.
فما إن تأخذ الشمس طريقها إلى المغيب، حتى يتغير كل شيء من جديد.
تسمع الأبواب وهي تُغلق واحدًا تلو الآخر، وتنسحب الحياة ببطء من شرايين المدينة، وتعود الشوارع إلى صمتها الثقيل، وكأن المدينة تستعد من جديد ليوم آخر من الخوف والرعب.
هكذا كان النهار في تلك المدينة...
يبدأ عند العاشرة، وينتهي مع المغيب؛ وبينهما حياةٌ مسروقة من الخوف.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق