الأحد، 30 أغسطس 2026

فضفضة 87 سياسة الانضاج

سياسة الإنضاج غريبٌ أن تلتقي السياسة بالزراعة والمطبخ في كلمة واحدة: الإنضاج. فالإنضاج في الزراعة يحتاج إلى بيئة مناسبة، وحرارة محسوبة، ووقت كافٍ، وفي تربية الدواجن تُستخدم الصوبات لتوفير الظروف الملائمة للوصول إلى النتيجة المطلوبة. أما في السياسة، فهناك من يتعامل مع التغيير بالطريقة نفسها؛ يهيئ الظروف، يرفع درجة الحرارة تدريجيًا، يترك الناس تحت ضغط متواصل، ثم ينتظر اللحظة التي يعتقد فيها أن الثمرة أصبحت ناضجة بما يكفي للقطاف. قد يكون التغيير نتيجة طبيعية لتراكم الأزمات، وقد يكون نتيجة لسياسات مقصودة تدفع الناس ببطء نحو نقطة الانفجار. فحين يستيقظ المواطن كل صباح ليجد نفسه في مواجهة أزمة جديدة، ثم يخرج إلى الشارع فيكابد الازدحام والفوضى ونقص الخدمات، ويعود إلى منزله محمّلًا بما يكفي من الإحباط، ثم لا يجد حتى في بيته مساحة حقيقية للراحة؛ تبدأ عملية إنضاج من نوع آخر. إنها عملية تجعل الإنسان يعيش تحت ضغط متواصل، حتى يصبح التغيير في نظره ليس خيارًا، بل خلاصًا منتظرًا. لكن هنا تكمن المفارقة. أيها الطاهي السياسي، هل أنت متأكد أن الطبخة ستأتي على هواك؟ هل تستطيع فعلًا أن تتحكم في كل مكوناتها، وأن تضبط النار، وأن تضمن النكهة النهائية؟ ربما تستطيع أن تبدأ الطبخة، لكنك لا تستطيع أن تضمن نتيجتها. فالتاريخ مليء بتغييرات بدأت بأهداف محددة، ثم خرجت عن مساراتها، وانتهت إلى نتائج لم يتوقعها حتى الذين صنعوا مقدماتها. والأخطر من ذلك أن التغيير لا تصنعه الظروف الداخلية وحدها دائمًا؛ فقد تتدخل عوامل خارجية، لكل منها مصالحها وحساباتها، فتدعم هذا الاتجاه أو ذاك، وتدفع نحو تغيير ترى فيه منفعتها قبل أي شيء آخر. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: من الذي يطبخ التغيير؟ ومن الذي يحدد مكوناته؟ ومن سيكون أول من يتذوقه؟ قد تتضافر كل هذه العوامل، وقد تنجح في إحداث التغيير، لكن لا أحد ـ وأكرر: لا أحد ـ يستطيع أن يتنبأ على وجه اليقين بما بعده. فالطبخة التي ظن البعض أنها أُعدّت بعناية قد تتحول إلى وجبة مرة للجميع، وقد يكون أول من يكتوي بنارها أولئك الذين كانوا وقودًا لها. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله السياسي هو أن يعتقد أن الشعوب مجرد مكونات في قدر، وأنه يستطيع التحكم في درجة حرارتها إلى ما لا نهاية. فالناس ليسوا طحينًا ولا دجاجًا ولا خضارًا تُترك في الصوبة حتى تنضج وفق البرنامج المعد سلفًا. الناس لهم إرادتهم، ولهم غضبهم، ولهم لحظة لا يمكن لأحد أن يحدد موعدها. وحين يصل الضغط إلى حدّه الأقصى، قد لا يعود السؤال: متى ينضج التغيير؟ بل يصبح السؤال: ماذا سيحدث عندما يفور القدر؟ ربما تكون هذه هي اللحظة التي يكتشف فيها الطاهي أن النار التي أشعلها لإنضاج الطبخة لم تعد تحت سيطرته. ونذر العاصفة، كما يبدو، لا تحتاج دائمًا إلى من يعلن عن اقترابها. فهي تظهر أولًا في وجوه الناس، وفي صبرهم الذي ينفد، وفي صمتهم الذي يصبح أثقل من الكلام. والتغيير حين ينضج أكثر من اللازم… قد لا يعود قابلًا للطبخ من جديد.

ليست هناك تعليقات: