الأحد، 30 أغسطس 2026
فضفضة 91 هل يستحق المواطن الليبي هذه المعاناة
هل يستحق الإنسان الليبي كل هذه المعاناة؟
سؤال ظل يراودني وأنا أرى ما يحدث حولي، وأتساءل: هل ما يعيشه المواطن الليبي اليوم مجرد نتيجة طبيعية لظروف قاهرة، أم أن وراء هذا المشهد شيئًا آخر؟
هل هي معاناة مقصودة لذاتها، لهدف غير معلن، لكنه ربما أصبح معروفًا لدى كثيرين؟ أم أن المشكلة بدأت حين وُضع أناس لا يملكون الكفاءة في مواقع لا تناسبهم، بفعل الوساطة والمحسوبية والعائلية والقبيلة والشللية؟
أم أن الأمر كله نتيجة نقص الموارد وظروف موضوعية؟ أم أن الفساد المستشري وغياب المحاسبة هما أصل الداء؟
وكما يقول المثل: إذا غاب العقاب، ساد سوء الأدب.
أيًا كان السبب، فإن النتيجة واحدة: مواطن مُنهك، جسدًا ونفسًا.
مواطن يقف في طوابير لا تنتهي، ويطارد الكهرباء والماء والسيولة والدواء، ويعيش وسط القمامة، ويستيقظ وينام على ضجيج المولدات، ويواجه يوميًا ضغوطًا لا تنتهي.
ومع تراكم الضغط، يصبح المرض نتيجة طبيعية؛ أمراض الجسد، وأمراض النفس، والجلطات والسكتات، والانهيار العصبي، وربما الموت بأشكاله المختلفة.
وحين تعجز الدولة عن تقديم الحلول، يبدأ المواطن في البحث عن الخلاص الفردي.
واسطتك إن استطعت، ومحسوبيتك إن وجدت، ومولد كهرباء إن قدرت، وبئر إن استطعت حفره، ومنظومة طاقة شمسية إن كان جيبك يسمح... كل إنسان يحاول أن ينقذ نفسه ومن يعول.
ولا ألوم المواطن على ذلك؛ فالإنسان حين تضيق به السبل يبحث عن منفذ.
لكن المشكلة أن الخلاص الفردي لا يصنع دولة، بل قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى جزء من المشكلة. فما ينقذ فردًا قد يضر بالعشرات، وما يحل مشكلة بيت قد يزيد العبء على بيوت أخرى.
وهكذا ندور في دائرة مغلقة: الدولة لا تقوم بواجبها، والمواطن يبحث عن خلاصه بنفسه، والمجتمع يدفع الثمن. والأخطر من ذلك كله أننا فقدنا الإحساس بأن مشكلة الآخر هي مشكلتنا. لم نعد نعمل بالقول الجميل: «إذا اشتكى عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
بل أصبح الشعار عند كثيرين: «أخطّي راسي وقص»
و: «حط راسك بين الروس وقول: وينك يا قطّاع الروس»
وحتى المثل : «الموت مع العشرة كرامة ».
المشكلة أن الإنسان قد يتوهم أنه حين ينجو بنفسه فقد نجا، بينما الحقيقة أن انهيار المجتمع لا يستثني أحدًا.
فليس مهمًا أن تكون أنت الحادي عشر أو الثاني عشر في طابور الخسائر ، أو أن تنجو اليوم من أزمة الكهرباء أو السيولة أو العلاج؛ لأن سقوط المجتمع في النهاية سيصل إلى الجميع.
إن استمرار هذا الوضع، واستشراءه، وعدم الاستماع إلى ذلك الصراخ المكتوم الذي يخرج من الناس تحت ضغط الحاجة، أو الخوف، أو القهر، لن يستمر إلى ما لا نهاية.
فحين تصل الأمور إلى مرحلة تتساوى فيها كفتا الحياة والموت، يصبح الخطر أكبر من قدرة الجميع على السيطرة عليه.
وما نراه اليوم من قمامة تملأ الشوارع، وطوابير تتزايد يومًا بعد يوم، ومولدات تدق في رؤوس الناس ليلًا ونهارًا، ورائحة العفونة والفساد التي بدأت تفوح من تفاصيل حياتنا، ليس مجرد مشكلات خدمية متفرقة. إنها أعراض لمرض أكبر.ودولة فاشلة
ومتى تراكمت الأعراض ولم يُعالج المرض، فلا بد أن يولد شيء... شيء كريه، وربما كريه جدًا.
وأخشى أن يأتي يوم ينظر فيه الناس إلى ما حدث في 2011 باعتباره مجرد مناورة صغيرة، أمام حرب حقيقية لا يريدها المواطن، لكنه يدفع ثمنها كل لحظة، وكل دقيقة، وكل ساعة، وكل يوم، وكل أسبوع، وكل شهر، وكل سنة.
فما بالك بالسنوات العجاف؟
ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى مزيد من المسكنات. تحتاج إلى دولة تحترم مواطنيها، وقانون يُطبّق على الجميع، وكفاءة توضع في مكانها، ومحاسبة لا تستثني أحدًا، وعدالة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالناس قد تصبر طويلًا...
لكن لا أحد يستطيع أن يضمن إلى متى سيبقى الصبر صبرًا، ومتى يتحول إلى شيء آخر. والله من وراء القصد.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق